مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
102
موسوعه أصول الفقه المقارن
بينهما لا من ناحية المبدأ وهو علّة الحكم ، ولا من ناحية المنتهى ومقام الامتثال . أمّا المبدأ ، فلأنّ المصلحة في الحكم الظاهري إنّما تكون في نفس جعله لا في متعلقه ، فلا يلزم من مخالفته للحكم الواقعي اجتماع المصلحة والمفسدة في متعلقه ؛ لعدم كونه مركزاً للمصلحة والمفسدة في الحكم الظاهري ، خصوصاً وأنّ الحكم الظاهري يبتني على أساس الشك في وجود المصلحة الواقعية في المتعلق ، وقد لا تكون فيه مصلحة ، فكيف يكون تابعاً لها في تشريعه ؟ ! وعليه لابدّ أن تكون المصلحة في نفس الجعل دون المتعلق ، ففي وجوب الاحتياط قبل الفحص مثلًا ، تكون المصلحة في نفس الاحتياط ، للمحافظة على مصلحة الواقع أو الابتعاد عن مفسدته ، وكذا في ترخيص الارتكاب بعد الفحص في الشبهة الحكمية ، أو قبله في الشبهة الموضوعية ، حيث لوحظت فيه مصلحة التسهيل على المكلّفين . وأمّا من حيث المنتهى ؛ فلأنّ موضوع الحكم الظاهري هو الشك في الحكم الواقعي ، ومع عدم وصوله إلى المكلّف لا يحكم العقل بلزوم امتثاله واستحقاق العقاب على مخالفته ، كما أنّه لا يمنع من امتثال الحكم الظاهري ، ومع وصول الحكم الواقعي لا يبقى مجال للحكم الظاهري ؛ لارتفاع موضوعه حينئذٍ . إذن ، على المكلّف العمل بما وصل إليه من تكليف ، سواء أكان ظاهرياً أم واقعياً ، ومن المستحيل اقتران وصولهما معاً إليه ؛ لأنّ الظاهري لا يكون إلّامع الشك ، والواقعي يكون بدونه ، فيرتفع التنافي المزعوم بينهما من الأساس « 1 » . وأورد عليه : بأنّ نشوء الحكم من مصلحة في نفس الجعل غير معقول ؛ لأنّ الجعل فعل للمولى ، فلابدّ من تحققها بمجرد صدوره منه ، فلا يبقى مبرر لانتظار صدور المتعلق من المكلّف ؛ لعدم حكم العقل بوجوب الإطاعة بعد تحقق تمام الغرض بنفس الجعل ، وحينئذٍ لابدّ من افتراض المصلحة في متعلق الحكم ، سواء أكانت موجودة قبل تعلق الأمر ، أو وجدت بسبب تعلقه به ، كما في الأوامر التي يراد بها تطويع العبيد على الإطاعة والامتثال ، ولعلّ جملة من الأوامر العبادية من هذا القبيل . هذا مضافاً إلى أنّ اعتبار المصلحة في الجعل لا يدفع إشكال نقض الغرض « 2 » . الوجه السادس : وهو ما ذكره الشهيد الصدر ، المبتني على أساس إرجاع الأحكام الظاهرية إلى تعيين الأهم من الملاكات في خطابات الأحكام الواقعية ، ببيان « أنّ الحرمة الواقعية لها ملاك اقتضائي متمثل بالمفسدة والمبغوضية ، وكذا الوجوب الواقعي له ملاك اقتضائي متمثل بالمصلحة والمحبوبية ، وأمّا الإباحة فقد تكون ناشئة من عدم ملاك في الإلزام ، وقد تكون ناشئة من ملاك في أن يكون المكلّف مطلق العنان ، مع خلو الفعل والترك من أي مصلحة فيهما . فإذا اختلطت المباحات بالمحرمات ولم يتميز بعضها عن البعض لم يؤدي ذلك إلى تغيير الأغراض والملاكات والمبادئ الواقعية ، فلا المباح بعدم تمييز المكلّف له عن الحرام يصبح مبغوضاً ، ولا الحرام بعدم تمييزه عن المباح تسقط مبغوضيته ، فالحرام على حرمته واقعاً ولا يوجد فيه سوى مبادئ الحرمة ، والمباح على إباحته ولا توجد فيه سوى مبادئ الإباحة ، غير أنّ المولى في مقام توجيه المكلّف ، الذي اختلطت عليه المباحات بالمحرمات بين
--> ( 1 ) . انظر : مصباح الأصول 2 : 108 - 110 . ( 2 ) . بحوث في علم الأصول ( الهاشمي ) 4 : 194 .